حسن الأمين

85

مستدركات أعيان الشيعة

وقد بلغ من إطاعة الناس لفتوى تحريم التبغ والتنباك أن نساء الشاه أنفسهن انقطعن عن التدخين . فلامهن الشاه وأمرهن بالتدخين ، وسألهن قائلا : من ذا الذي حرم التدخين ! ؟ فقالت له إحداهن ، وكانت امرأة تقية رزأنا : حرمه علينا من حللنا لك ! فقال : ها أنا ذا أدخن فدخن أنتن أيضا كما أدخن أنا . فقالت له : وأنت تجمع بين الأختين . وليس يجوز للناس أن يقلدوك فيجمعوا بينهما ! هذا وكان « ناصر الدين شاه » يجمع بين أختين إحداهما اسمها عائشة والأخرى ليلى . وكان « ناصر الدين شاه » قد سبق أن منح الإنكليز امتيازا بإنشاء بنك لهم في إيران باسم « البنك الشرقي » . وفي أثناء إقامته في انكلترا في رحلته الثالثة هذه تقرر تغيير اسم هذا البنك باسم « البنك الشاهنشاهي » ، وإعطائه امتيازا بإصدار النقد الورقي . وقد سهل هذا الامتياز عملية تسرب الذهب الإيراني إلى أيدي الأجانب . ودفع بالروس إلى إجبار إيران على إعطائهم امتيازا مماثلا لما حصل عليه منافسوهم الإنكليز ، فحصلوا في سنة 1308 هعلى امتياز بإنشاء « بنك الرهون » ، وهو شعبة من مؤسسات وزارة المالية الروسية . وتساهل هذا البنك في منح القروض إغراء للناس بالاستقراض ورهن أموالهم غير المنقولة ، كالأراضي ، بلا ترو ، ثم يعجزون عن إيفاء القرض ويغلق الرهن بيد البنك ، اي بيد وزارة المالية الروسية . ولوحظ أن النفوذ الانكليزي في إيران ازداد كثيرا بعد رجوع « ناصر الدين شاه » من رحلته هذه الأخيرة . وقد أعطى « ناصر الدين شاه » الإنكليز هذه الامتيازات في إيران : 1 - إنشاء خط برق الهند وأوروبا ، وامتداده : بغداد - طهران - بوشهر . ثم اتصل ببلاد غيرها بعد ذلك . 2 - الملاحة في نهر كارون . 3 - إنشاء « البنك الشاهنشاهي » إلى مدة ستين عاما . وقد اشترت الحكومة الإيرانية هذا الامتياز في عهد « رضا شاه بهلوي » وتولت هي إصدار النقد الورقي . 4 - امتياز انحصار التبغ والتنباك . وقد آل أمره إلى الإلغاء بسبب فتوى التحريم التي أصدرها الميرزا حسن الشيرازي كما تقدم . 5 - إعطاء قرض لإيران برهن جمارك الجنوب . 6 - شق طريق بين طهران وخرمشهر . وأعطى الروس هذه الامتيازات : 1 - إنشاء فرقة القوزاق . 2 - استثمار مصائد بحر الخزر . 3 - إنشاء بنك الرهون . 4 - شق طريق من « عشقآباد » إلى « مشهد » . بعد أن أذن للروس بتشكيل كتيبة القوزاق في إيران سنة 1295 هقدمت إلى طهران سنة 1296 هبعثة من الضباط الروس برئاسة العقيد « ديمانتو فيتش » ، وشكلوا وحدة عسكرية على طراز القوزاق الروسيين من خمسين وثمانمائة فارس اختاروهم من المهاجرين . وهؤلاء المهاجرون كانوا جماعة من القفقاسيين جاؤوا إلى إيران بعد أن خرجت مدن القفقاس من يد إيران وضمتها روسيا إلى بلادها بحسب معاهدة « تركمان شاي » . فتركوا بلادهم ، بعضهم بدافع من الأنفة الدينية وبعضهم كانوا أيام الحرب قد سبقت لهم خدمات لإيران . ومن ثم رأوا أن صلاح أمرهم في اللجوء إلى إيران فقدموها وفي نفوسهم آمال كثيرة . ولكنهم وقعوا في الخيبة إذ أنهم أهملوا ولم يجدوا عند المسؤولين عناية تذكر ، وظلوا حيارى مشردين . إلى أن أعطى « ناصر الدين شاه » الروس امتياز تشكيل كتيبة قوزاق في إيران ، وقدمت البعثة العسكرية الروسية فأمر الشاه باختيار أفرادها من بين المهاجرين هؤلاء . وشيئا فشيئا كان عدد المجندين فيها يزداد يوما بعد يوم . وفي سنة 1311 هجاء إلى إيران عقيد آخر اسمه « كاساكوفسكي » رئيسا للكتيبة فأقامها على وضع آخر مختلف كل الاختلاف عن السابق ، إذ أنه فصلها عن وزارة الحربية الإيرانية وجعل لها كيانا خاصا مستقلا ، وبنى لها عمارة خاصة لتكون ثكنة لها وسور إحدى ساحات العاصمة وجعلها مكانا لتدريب الكتيبة وأخذ من الحكومة قصرا يعرف ب « قصر قاجار » وجعله معسكرا لها . وفي سنة 1318 هرفع الإمبراطور الروسي رتبة هذا الضابط بناء على طلب من « مظفر الدين شاه » . وكان الاتفاق الذي وقع بين الدولتين بشأن هذه الكتيبة ينص على أن لا يبقى رئيسها في إيران أكثر من ثلاث سنوات . ولكن « كاساكوفسكي » هذا ظل في إيران تسع سنوات رئيسا لها . ومع أنه كان مطلق التصرف خارجا عن سيطرة الدولة الإيرانية يرجع بصورة مباشرة إلى الدولة الروسية في كل شؤونه فان نفقات الكتيبة كلها كانت تؤخذ من خزينة الدولة الإيرانية ولم يقدم قط في يوم كشفا حسابيا يبين وجوه الإنفاق ! يقول الدكتور « فوفريه » طبيب « ناصر الدين شاه » الخاص في كتابه « ثلاث سنوات في بلاط إيران » : « يبدو أن إيران ستنتهي ، بإعطاء هذه الامتيازات المتلاحقة ، إلى أن تقع كلها في يد الأجانب » . ويقول « براون » في كتابه « انقلاب إيران » : « كل هذه الامتيازات التي أعطيت للأجانب تنتهي إلى مصير واحد ، هو انتفاع الشاه ورجال بلاطه انتفاعا زائلا بالقليل الزهيد والإضرار بأهل إيران إضرارا دائما » . كان « ناصر الدين شاه » ، مع استبداده المفرط ، يتسع صدره أحيانا للكلام الجارح والتوبيخ يوجهه إليه أناس من الطبقات الدنيا فيتحمله ويغضي عليه . من ذلك أن زردشتيا اسمه « خاراداد » كان بستانيا في إحدى عماراته المسماة « سلطنتآباد » ، قتلت زوجته وهي تجتاز إحدى الطرقات ليلا . ومر « ناصر الدين شاه » يوما في بستان تلك العمارة فرأى ذلك البستاني فقال له : كيف صح عندك أن ترسل زوجتك إلى الخارج ليلا حتى سببت بذلك قتلها ؟ ! فبادره البستاني بالجواب فورا قائلا : كنت أحسب أن الليل والنهار في مملكتك سواء . إذا نمنا فأنت ساهر . ولذلك كنت مطمئنا عليها فارسلتها . فلم يقل « ناصر الدين » شيئا وساق فرسه منصرفا . كان « ناصر الدين شاه » حسن الخط حسن الإنشاء . يعرف من الألسنة الأجنبية قليلا من الفرنسية . أحد تراجمته « محمد حسن خان اعتماد السلطنة » ، وهو ملحق عسكري سابق بسفارة إيران في باريس ، يقول في مذكراته متهكما ب « ناصر الدين شاه » :